عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

81

معارج التفكر ودقائق التدبر

تنفيذ الإهلال على جملة أَهْلَكْناها بحرف الفاء الدّالّ في اللّسان العربيّ على الترتيب مع التعقيب ، في قول اللّه عزّ وجل : * . . . فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ . بَأْسُنا : أي : عذابنا الشديد ، فالبأس في اللّغة هو العذاب الشديد . بَياتاً : أي : وهي داخلة في اللّيل ، قال الزّجاج : كلّ من أدركه اللّيل فقد بات ، نام أو لم ينم ، يقال لغة : بات يبيت ، وبات يبات ، بيتا ، وبياتا ، ومبيتا ، وبيتوتة . فالبيات مصدر بات ، ولفظ « بياتا » في الآية منصوب على الحاليّة ، أي : بائتين ، بتنزيل المصدر منزلة اسم الفاعل . أَوْ هُمْ قائِلُونَ : أي : أو هم في وقت القيلولة ، وهي الاستراحة نصف النهار إذا اشتدّ الحرّ . يقال لغة : قال يقيل قيلا : وقائلة ، وقيلولة ، ومقالا ، ومقيلا ، أي : استراح نصف النهار عند اشتداد الحرّ ، فهو قائل ، وهم قائلون . والجملة حاليّة ، أي : في حالة بياتهم ، أو في حالة قيلولتهم . والمعنى : فكم من رسول أرسلناه إلى أمّة في قرية ، فبلّغها رسالاتنا ، وحذّرها وأنذرها ، فلم تستجب لدعوته ، وحين اقتضت الحكمة إهلاكها قضيناه - وبعد ذلك أصدرنا الأمر التنفيذيّ ، فجاءها عذابنا الشّديد ، وهم بائتون ليلا ، أو هم مستريحون في وقت القيلولة نهارا . والمراد بالقرية كلّ مجمّع سكنيّ كبر أم صغر ، وفي ذكر القرية هنا تلويح إلى سكّان مكّة أمّ القرى إبّان التنزيل . وهذه المباغتة في اللّيل وفي الغالب عند الفجر ، أو في القيلولة في النهار ، بعد الإنذار بالعذاب على ألسنة الرّسل ، هي من سنن اللّه عزّ وجلّ